أحمد أمين

21

كتاب الأخلاق

ويكفينا هنا ذكر هذا التعريف من غير مناقشة ، وإن ذكر خصائص الغريزة أكثر إبانة لها من ذكر التعاريف المختلفة . 1 - إن قوة الغرائز تختلف باختلاف الأشخاص والأمم ، وهي تقوى وتضعف بنسبة الرقي العقلي للشخص والأمة ، وبنسبة الظروف المحيطة بها ، وهذه الغرائز المختلفة - من عوامل رقيها وانحطاطها المختلفة - هي من أكبر الأسباب في الخلاف بين الناس . 2 - موعد ظهور الغرائز المختلفة ليس محدودا ولا منظما في الإنسان انتظامه في الحيوان . 3 - كثيرا ما تتعارض الغرائز وينشأ عن ذلك اضطراب في السلوك أو تردد ؛ كالذي عنده غريزة حب الملك شديدة قوية ، وعنده أيضا ميل غريزي قوي نحو تحصيل الخير للمجتمع ، فتراه يقف أحيانا مواقف اضطراب تتنازعه فيها الغريزتان . 4 - تظهر الغرائز في شكل بواعث على العمل ، فغريزة الغضب تبعث على القول الحاد أو الانتقام أو نحو ذلك ، وغريزة حب الاستطلاع تبعث على كثرة السؤال وقراءة الكتب والبحث عن المجهول ، وهكذا . 5 - الغريزة أساس لأعمال الإنسان ، فهو يأتي بأعمال عدة في يومه : من قيام من نوم ولبس وإفطار وعمل في شؤون مختلفة وأنواع من الأعمال يسر بها نفسه إلى كثير من أمثال ذلك ، وهو يكرر ذلك كل يوم ، ومهما كثرت هذه الأعمال وتعددت ، فإنها عند التحليل يمكن رجوعها إلى غرائز معدودة تبعث عليها ، وبهذه الغرائز يمكن شرح كل سلوك الإنسان ، فهو يأكل لأن الجوع الغريزي يبعث على الأكل . وتأتي العادة بعد ذلك ، فتنظم أكله في أوقات معينة وبأشكال مخصوصة ؛ وهو يعمل ويتحمل الصعاب في عمله ليحصل على نقود ، وهو إنما يحصلها لينفقها على نفسه وأهله ، يسد بها ميولا غريزية دعا إليها حب الذات وحب النوع ، وهكذا يمكن رجوع كل عمل إلى الغريزة مباشرة أو بالواسطة مهما دق العمل ؛ فحب الآباء والأبناء والأصدقاء وحب الغنى والمال والخوف من الموت والاستيحاش من الوحدة والرغبة فيما يسر والنفور مما يؤلم ، كلها ناشئة عن غرائز طبيعية ، وهي تشكل سلوك الإنسان بأشكال خاصة .